“تانغو”.. فكرة مسروقة أم حب مقتبس؟

“تانغو”.. فكرة مسروقة أم حب مقتبس؟

- ‎فيفن
77

image

رجل وامرأة يتعرضان لحادث سير يودي بالرجل إلى غيبوبة، في حين أن المرأة تختفي بداية لتظهر بعدها جثة هامدة. هكذا تبدأ أحداث مسلسل “تانغو”، المقتبس عنسلسلة الدراما  التلفزيونية الأرجنتينية “حب بعد حب”، حيث يكشف مسار الأحداث فيها عن طبيعة العلاقة التي كانت تربط بين بطلي القصة عامر وفرح، لتظهر علاقة حب وعشق سري لأن كلاً منهما متزوج، وتجمع علاقتي الزواج حلقة عمل وصداقة مقربة جداً.

السلسلة الأرجنتينية، المقتبسة أساساً عن الفيلم الكوري “ثلج نيسان”، لاقت حلقاتها السبعين رواجاً منقطع النظير في الأرجنتين عقب إطلاقها وعرضها العام الماضي. وفي حين اختار المشرفون على إنتاجها أن يكون الحب هو المحور المركزي للقصة، أتت الخيانة كمعضلة أخلاقية مرتبطة ومترافقة به، تشرحها سياقات الأحداث، من دون أن تكون هي المنطلق والمحور، أو النقطة التي يدور حولها المسلسل. ويظهر ذلك في الإصرار على تقديم القصة والتطرق إليها، من زوايا ومقاربات الواقع، ما يضفي عليها الحسّ المنطقي لأسلوب تطور المشاعر وجهة سير العلاقات حينما تكون محاطة بمثل ظروف القصة، ما يوضح بأنّ الذين وقفوا خلف قصة المسلسل اختاروا الحياد وعدم التوجيه، تاركين الحكم على الشخصيات والاحداث للمشاهد، الذي يرجع إليه حسب شخصيته ومفهومه، تأثره بالأحداث ومدى ملامستها له، وأن يرسم حدود الفواصل بين الحب والخيانة والعشق والانجراف والحق بالوصول إلى السعادة، وعلى من يصحّ أن تطلق صفة الضحية والجاني، وعلى من يصحّ جمع الصفتين فيه.

الأوصاف والملابسات هذه انطبقت على “تانغو”، الذي تم اقتباسه من دون الاعلان عن ذلك بحجة التغيير الذي طرأ عليه كي يتناسب مع الثقافة العربية، وكي لا يظهر أنه خارج عن الأطر التي تحدّها. فقام الكاتب أياد أبو الشامات بالتصرّف خارج الاقتباس والسياق الأساسي بغية جعله أكثر قبولاً، لاستحالة الاقتباس الكامل عن المسلسل الأصلي، كونه يزخر بالمشاهد والمواقف التي لا يمكن تقديمها أو قبولها أو تضمينها لمسلسل رمضاني في العالم العربي.

ويقول أبو الشامات في مقابلة لمجلّة فنية إنه بعدما وصل في قرءاته لنص الحلقة الخامسة من المسلسل الأرجنتيني، ظنّ أنه يمكنه الاقتباس منه، لكنه اكتشف بعد ذلك عدم صلاحيته بصيغته الاصلية للشاشة العربية، مضيفاً “انطلقت بالكتابة من الفرضية في النص الاساسي، القائمة على الحب ومن ثم الخيانة التي تربط الأزواج الأربعة، وأمكنني المجاراة لغاية الحلقة السابعة، التي لجأت من بعدها الى التأليف الكامل، الذي طاول تغيير كينونة الشخصيات وطبيعة الاحداث، وصولاً لمفاصل غيرت وجه العمل بالكامل، الأمر الذي أضاف عبئاً أساسياً ومسؤولية مضاعفة، كوني أحسست أني مقيد ومرتبط بالانطلاقة الاساسية للعمل المقتبس، بينما كنت أتمنى الانطلاق من نص أساسي آخر أكون أكثر حرية فيه”.

أياد أبو الشامات الذي تألّق مع المخرج رامي حنا سابقاً في مسلسل “غدا نلتقي”، لجهة موازاته بالبراعة وظهوره ككاتب للنص والسيناريو والحوار، لم يستطع تكريس المعادلة ذاتها مع حنا في “تانغو”، حيث أبدى الأخير براعة فائقة في اختيار الشخصيات وإدارتها وتوجيهها، ما انعكس على مجمل طاقم العمل، الذي بدا وكأنه يعطي أفضل ما عنده، خصوصاً دانييلا رحمة التي بدت في دورها الاول وكأنها تحترف التمثيل، بينما أبدع باسم مغنية وتفوّق على ذاته، إذ أتقن دوره بطريقة لم نعهدها فيه من قبل، حيث يمكن اعتبار “تانغو” هو محطة أساسية في حياته المهنية ونقطة انطلاق جديدة له. وينطبق هذا القول على طلال الجردي الذي بدا مقنعاً في دور ضابط الشرطة ذو العقلية العسكرية، التي تترك انطباعاتها على تفكيره وأسلوب تعامله مع زوجته، ناهيك عن باسل خياط ودانا مارديني، الذين تقمصا دوريهما ببراعة جعلتنا نشعر وكأننا نعايش القصة عن كثب، تخطيا فيها التمثيل إلى التجسيد.

أداء الأدوار وتحريكها كان متناسباً مع وتيرة وإيقاع الأحداث، ومتناغماً مع نبرات الصوت والحركة والتصرّف والارباك الحقيقي والحيرة التي تظهر على ملامح العاشق والعشيقة في فترة انجرارهما في خضم مسار العلاقة والخيانة، مع ما يعتريها من أوقات تردد ووقفات ضمير وصراعات داخلية، تظهّرت في لغة العيون والوجه والجسد، خصوصاً عند الثنائي دانييلا رحمة (فرح) وباسل خياط (عامر)، الذي استطاع حنا توظيف مواهبه لخدمة الشخصية واستعمال ملامحه الصارمة والقاسية حيناً، التي يعتريها الشغف والاندفاع وجرأة الاقدام دون حساب للعواقب، وهو ما نجح ايضا حنا بتوظيفه من خلال دانا مارديني، التي أتقنت دورها بعادية مدهشة، عكست بساطة السهل الممتنع في تقديم دورها الصعب كامرأة تدور وتعصف بها الاحداث من كل الجوانب، مرفقة إظهار أحاسيس المرأة المخدوعة مع كامل لوعتها وانكسار قلبها وسحق مشاعرها على درب مسارات الالم، التي فُرضت عليها واضُطرت للسير فوق جمرها. فيما براعة حنا لم تقف عند حدّ في “تانغو”، فاختياره لدانييلا رحمة كان مميزاً بكل المقاييس، إذ أتى دورها متناسباً ومتناغماً شكلاً وأداءاً ومضموناً في جميع مراحله المتمثلة بكونها زوجة وراقصة وعاشقة ومتمردة وحائرة وصديقة وخائنة.

التسليم بقوة الاخراج لدرجة الابهار جعل المشكلة في “تانغو” تظهر في مكان آخر وبشكل واضح، لناحية الواقعية المفرطة للحبكة، التي تدفع للتساؤل ما الذي يجعل من القصة والنص يرقى لمستوى التميز ليؤهله أن يصبح عملاً تلفزيونياً على هذا المستوى. ففي حين أن القصة في المسلسل الارجنتيني تستكمل كل معانيها وموجبات تميزها، من ناحية الحبكة الدرامية العاطفية التي تتخلل أحداثها الارتقاء والسقوط والتقلبات، وتظهر فيها الصراعات الانسانية الغريزية ضمن مستويات تصلح لتقديمها كمشهديات تستحق القاء الضوء عليها، لجهة خروجها عن المألوف وعن القصص العادية التي وقعت أو قد تقع في محيطنا. إلا أن مستوجبات العمل الدرامي المميز، والذي افتقد إليه “تانغو” بوضوح، هو إمكانيته تقديم جملة أحداث وتشابكات يمكننا من خلالها التغلغل والتشعّب في كافة تفاصيل ومخفيات مشاعر الشخصيات كالقلق واللهفة وإبراز قوة الرغبة وطبيعة العلاقة الجسدية التي تحكم الطرفين بشكل يوضح، ولو تلميحاً، ماهية الروابط شغفاً كانت أم هوساً أم جنوناً أم عشقاً عاصفاً، ما يؤدي إلى محاكاة القلب والضمير ووخزه وإيقاظه بأكثر من ناحية وطريقة.

لكن على الرغم من هذا القصور في ارتقاء النص وعدم قدرته على إثراء التفاصيل وإبراز أهميتها لزخرفة المشاهد وتعميق الحوار، إلا أن نجاح العمل أتى كونه خاطب مكامن الاحساس عند المشاهد، اذ ارتسمت كل حوراته الحسية العاطفية والانفعالية المترافقة بالموسيقى وايقاعات رقصة التانغو ومشاهدها، ودغدغت الحس العميق المترافق مع المشهديات، ما عوّض سطحية الحوار في أكثر من مكان، والذي بدا مبتوراً في أكثر من مشهد. في حين أن القصة والنص والحوار كانوا يحتملون الذهاب في المشاعر والغوص في التحولات إلى أبعد مدى وفي عدة مستويات واتجاهات، وذلك كون عناصر القصة تصلح تماماً في ما لو تمّ استغلالها بأن تحيط بكل تلك الزوايا.

عنوان المسلسل الارجنتيتي “حب بعد حب” بدا أكثر تناسباً وصلاحية من عنوان “تانغو”، كون مربّع الحب انعكس بينهما. فحبّ فرح لعامر وسامي للينا أتى عقب ذروة حبّهم لأزواجهم، ما دفع بفكرة الخيانة إلى التراجع أمام طغيان الحب، الذي فرض نفسه كحقيقة لا يمكن تجاوزها أو الهروب والحياد عنها، إذ  كان بارزاً  أنّ كيمياء الرغبة بين عامر وفرح، ومن ثمّ سامي ولينا، كانت من منطلق الحب وليس العكس، ما يجعلها أكثر قبولاً وفهماً، كون الأزواج الأربعة ذوي خلفية أخلاقية راقية تؤمن بالحب والزواج والعائلة والاستقرار، بعيداً من الحياة الصاخبة والنزوات.

إلا أن الفروقات تظهر بين شخصية فرح زوجة الصديق المفعمة بالحياة والعفوية والجاذبية والشغف، عكس لينا الزوجة الكلاسيكية المتحفظة بكلماتها وأفعالها وهدوئها وعاديتها، وهو العامل الاساسي الذي أدّى إلى انجذاب عامر إلى فرح على حساب برود العلاقة مع زوجته لينا. إذ بدا ظاهراً مدى متطلباته الذهنية المفعمة بالخيال وحب التغيير واستشعار إمكانية تحقيق وإشباع شغفه مع فرح، التي استشعر بإمكانية دفع وإحقاق هذا المستوى من المشاعر معها. كما أن فرح من جهتها كانت تعاني إحباطاً ناتجاً بالاساس عن استشعارها بوقوف زوجها في طريق تحقيق ذاتها المتمثلة بطموحاتها واستقلاليتها. وعلى الرغم من حب زوجها سامي الشديد لها وتعلقه بها، إلا أن تعبيره عن حبّه بدا تقليدياً ومألوفاً، ما دفعها إلى الضيق والضجر، وظهر ذلك من خلال قولها له في أحد المواقف “بحب شي مرة تفاجأني من دون ما تسألني”. 

القيمة الحقيقية التي تظهّرت في “تانغو” هي فعلياً قيمة الحب، التي طغت على باقي مجريات وأحداث المسلسل بالرغم من النتائج المدمّرة التي أدّى إليها هذا الحب في سياق القصة، إلا أنّ اتجاه الأحداث لم يستطع إلغاء هذه القيمة لطغيان حقيقتها واتصافها بالانسانية بالدرجة الأولى في المسلسل، ما جعلها تحجب أوصاف الخيانة والخداع وتخفف من وطأتها، وذلك على رغم إظهار بعض المشاهد وهي تتهادى على حواف الحب والجنس، الذي كان لازماً لإظهار إيقاع العلاقة ومسارها التصاعدي، الأمر الذي كان متاحاً بشكل أكبر في المسلسل الأرجنتيني، الذي ركّز على هوية وطابع العلاقة الجنسية بين الأبطال بشكل واضح، من منطلق أنّ مربّع الحب هذا يشكّل الجنس فيه محوراً أساسياً ومنطلقاً لفهم كثير من التطورات والأحداث والحوارات التي تدور بين الأطراف، وتوضح تذبذب أو اشتداد أواصر علاقتهم بأدق تفاصيلها، كما يساعد على الغوص في داوخل الشخصيات، ومعايشة سعادتها وإحباطاتها ودوافع قلقها، وهو الأمر الذي كان لينقل “تانغو” من عمل عاطفي درامي تشويقي إلى مصاف الأعمل التي لها أثر لا يُنسى.  

Comments

comments

You may also like

ذهول وصدمة… سيدة تفاجأ بسلحفاة داخل رحمها!

ذكرت صحيفة “دايلي ميل” البريطانية أنّ الشرطة الإسبانية