حوكمة النزوح بلا مال: استعادة مسؤولية الدولة في لبنان

حوكمة النزوح بلا مال: استعادة مسؤولية الدولة في لبنان

- ‎فيالمحلية

حوكمة النزوح بلا مال: استعادة مسؤولية الدولة في لبنان

أنتجت أزمات لبنان المتكررة رد فعل مألوفاً ومثيراً للقلق: فعندما تتصاعد موجات النزوح، تنجرف المسؤولية نحو الخارج [إلى جهات خارجية]. تتراجع الدولة، وينتقل العبء إلى الوكالات الدولية، والمنظمات غير الحكومية، والشبكات المحلية المرتجلة. وغالباً ما يتم تبرير هذا النمط بلغة الانهيار المالي، وكأن غياب الأموال يعفي الدولة من التزامها. ومع ذلك، لا يمكن للسيادة أن تكون مشروطة بالسيولة؛ فالحكومة التي لا تستطيع الإنفاق ليست حكومة عاجزة عن الفعل.
إن السؤال الجوهري ليس ما إذا كان بإمكان لبنان تمويل الاستجابة، بل ما إذا كان بإمكانه تنظيمها؛ عبر حشد ما يملكه بالفعل، وتنسيق ما هو موجود، وهيكلة قنوات موثوقة يمكن للمجتمع من خلالها دعم نفسه. يجادل موجز السياسات هذا بأن الحكومة اللبنانية يمكنها ويجب عليها قيادة الاستجابة للنزوح من خلال إعادة استخدام الأصول العامة غير المستغلة وبناء آليات شفافة للتنسيق والدعم، حتى في ظل غياب إنفاق عام جديد.
“لا يمكن للسيادة أن تكون مشروطة بالسيولة”
إن القيود التي يواجهها لبنان حقيقية، لكن غالباً ما يتم تشخيصها بشكل خاطئ؛ فالاستجابة للنزوح ليست مشكلة ميزانيات بقدر ما هي مشكلة حوكمة. تمتلك البلاد مجموعة واسعة من الأصول العامة التي لا تزال غير مستغلة أو موزعة بشكل غير متكافئ: مدارس فارغة خارج ساعات التدريس أو أثناء الإغلاق، مستشفيات عامة ذات طاقة استيعابية معطلة في وحدات معينة، ملاعب وقاعات ضخمة تُستخدم بشكل متقطع، مبانٍ بلدية يمكنها استضافة الخدمات، موانئ قادرة على تنظيم تدفق البضائع، وبنية تحتية للنقل لا تزال تربط الأراضي الوطنية رغم تدهورها. هذه الأصول المشُتتة عبر المؤسسات والمناطق تشكل “نظام استجابة كامناً”. ما ينقصنا ليس القدرة المادية، بل التنسيق اللازم لتفعيلها على نطاق واسع.
تفعيل الأصول العامة
المهمة الأولى هي جعل الدولة “واضحة المعالم” أمام نفسها. يمكن إعداد جرد سريع وشامل للأصول العامة على مستوى البلاد في غضون أيام إذا صدر تكليف بذلك من أعلى المستويات. يجب إلزام الوزارات والبلديات والمؤسسات العامة بالإبلاغ عن المرافق الخاضعة لسيطرتها، ومدى استخدامها الحالي، وقدرتها على استيعاب النازحين.
بمجرد رسم خرائط لهذه الأصول، يمكن إعادة استخدامها بحد أدنى من التعديلات:
المدارس الرسمية: يمكن أن تعمل كمراكز إيواء مؤقتة.
المستشفيات الحكومية: تخصيص أجنحة معينة لاستيعاب الطلب المتزايد.
الملاعب والمنشآت الكبرى: العمل كمراكز لاستقبال وتنسيق وتوجيه العائلات النازحة.
المباني البلدية: تتحول إلى مراكز محلية للإدارة وتقديم الخدمات.
الموانئ والخدمات اللوجستية: إعادة تنظيمها كنقاط دخول خاضعة للرقابة للمساعدات العينية لضمان فرزها وتوزيعها حسب الحاجة.
حوكمة التنسيق والشركاء
لا يمكن حصر هذه الاستجابة في بيروت وحدها، لكن التنسيق لا يحدث تلقائياً. إن سلطة لبنان المجزأة تفرض حدوداً حقيقية على التنفيذ والانسجام. لذا، يجب جعل التنسيق “إجرائياً” من خلال ربط الوصول إلى الأصول العامة بمتطلبات التقارير الأساسية وتطبيق قواعد تخصيص شفافة.
يتضمن هذا الإطار التعبئة المنظمة للمنظمات غير الحكومية كشركاء تشغيليين ضمن نظام تقوده الدولة. وبدلاً من السماح بتدخلات موازية ومجزأة، يمكن للحكومة إنشاء آلية تنسيق ملزمة تعين المنظمات لمهام محددة بناءً على خبراتها (صحة، غذاء، دعم نفسي) مع اشتراط الالتزام بالمعايير الوطنية.
التواصل والشفافية كأدوات للحوكمة
في ظل تآكل الثقة بالمؤسسات العامة، يصبح التواصل بأهمية اللوجستيات ذاتها. يجب وضع استراتيجية اتصال “صفرية التكلفة” تعتمد على تحديثات عامة يومية توضح ما فعلته الحكومة وأين تم نشر الموارد. الهدف هو إظهار الحضور والاستجابة، ففي الأزمات يولد الصمتُ الارتيابَ.
كما يجب أن تمتد الشفافية إلى إدارة الموارد عبر “لوحة بيانات رقمية” (Digital Dashboard) تتيح للمقيمين والمغتربين تتبع مسار مساهماتهم بشكل مباشر. هذا النظام لا يجمع الأموال فحسب، بل يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع من خلال إخضاع المؤسسات للرقابة والمساءلة.
الخلاصة: الإرادة السياسية هي المفتاح
قد يجادل البعض بأن هذه التدابير غير كافية دون إنفاق جديد، لكن التحدي الفوري ليس بناء أنظمة جديدة بل تفعيل الأنظمة الموجودة بالفعل.
عندما تؤجل الدولة مسؤوليتها، فإنها لا تلغي الحاجة للاستجابة، بل تفتتها وتنتج نظاماً مرقعاً يعمق عدم المساواة. إن الطريقة التي يستجيب بها لبنان للنزوح ستشكل تصورات المواطنين عن شرعية الدولة لسنوات قادمة.
إن المطلوب ليس مجرد إعلان نوايا، بل سلسلة من القرارات المتخذة بوضوح: جرد الأصول، تفويض البلديات، إطلاق لوحة الشفافية الرقمية، والالتزام بالتواصل اليومي. لا تتطلب أي من هذه الخطوات إنفاقاً جديداً، بل تتطلب إرادة سياسية للانتقال من “إدارة الندرة كعذر للتقاعس” إلى “الحكم من خلالها” لاستعادة الثقة في مفهوم المسؤولية العامة.

بقلم: جمال إبراهيم حيدر